اتحاد المرأة الحرة ضمان سوريا الديمقراطية

من الظلام الذي سجى أعينهما شقا العلم طريقاً من نور

122

كوباني_ كشفت الشقيقتان منى ومزكين محمود أن فقدان بصرهما لم يكن عائقاً أمام تحقيق أحلامهما, وأشارت مزكين أن الطريق كان طويلاً إلى أنها تعايشت مع وضعها, فيما صرحت أمهما أنها فخورة بنجاح أبنائها الخمسة رغم الإعاقة البصرية التي يعانون منها, فلكل منهم اليوم شخصية مستقلة.

في هذا العالم الواسع, عندما تواجه مشكلة تظن أن حياتك سيئة وأن القدر يعذبك, وإن فشلت فإنك تتذرع بالظروف, لكن الحقيقة أننا ما نحن إلا نقطة في بحر معاناة بعض الأشخاص, الذين وصلوا إلى أحلامهم وتابعوا حياتهم بشكل طبيعي, لم يتذرعوا بالظروف, بل كانوا كالرياح التي تحرك شعار السَّفينة, فحركوا سفن أقدارهم لينتهكوا حرمة الخوف من أمواج الحياة, ويعبروا البحر وسط العاصفة, ولعل خير مثالٍ على هذه الفئة هما مزكين محمود ومنى محمود, اللتين لم تمنعهما إعاقتهما البصرية من التعلم, لا بل أنهما تعلمان وتدربان غيرهما على أساليب التعايش مع مجتمع النور, لتصنعا من الظلام طريق نحو الحياة.

رغم فقدانها لبصرها إلا أن بصيرتها وشغفها بالعلم أوصلها للمرحلة الجامعية.

هذا وحدثتنا من قرية قراموغ المواطنة مزكين محمود متطرقة إلى أنها عندما فقدت بصرها كانت طفلة صغيرة جداً, وقبيل خسارتها لنظرها, شاهدت الأطفال وهم يذهبون إلى المدارس للتعلم, وقالت” رغبت في أن أتعلم, فتلقيت مساعدة من أشقائي الأكبر سناً, وتعلمت الأحرف والقواعد الأساسية في المنزل, وحفظت الدروس ورددتها بشكل شفهي”.

فقدت مزكين في عمر الـ3 سنوات قدرتها على الإبصار, في الوقت الذي كانت تقطن فيه مع عائلتها في دمشق, وكان ذلك جراء ارتفاع الضغط على العين, مما سبب تلف كلي في العصب البصري, وافقدها النظر.

وتابعت مزكين” بعد فقداني لبصري طلبت من أسرتي أن أتعلم والتحق بالمدرسة كأقراني, فأرسلوني إلى معهد خاص بتأهيل المكفوفين, وتعلمت خلاله أشياء عدة, وبدأت من المرحلة الابتدائية بالتعلم ووصلت للمرحلة الإعدادية الأخيرة”.

في عمر ال9 سنوات, التحقت مزكين بمعهد لتعليم المكفوفين في كفر سوسة, لتصل في تعليمها إلى المرحلة الجامعية, وتختار فرع علم الاجتماع لتتخصص به في جامعة دمشق, إلا أن ظروف الحرب الأهلية التي اندلعت في سوريا لم تكمل تعلمها.

وعن عودة مزكين إلى كوباني في عام 2016م, درست في قسم الأدب الكردي في معهد الشهيدة زوزان لمدة عامين, وقالت” في البداية عانيت من عدم تقبل المجتمع, لم استسلم بقيت مصرة على تحقيق أحلامي, جعلت كل من يراني يُصدم من إمكانياتي, وشيئاً فشيئاً تمكنت من إقناع من حولي بقدرتي”.

ومن جانبها أشارت مزكين محمود في الختام إلى أنها ومن خلال عملها في لجنة التربية سعت لتعليم وتدريب الأشخاص اللذين يعانون من الإعاقة, ليتمكنوا من الاعتماد على أنفسهم, ويتعلموا أن لهم دوراً اساسياً في الحياة.

ومزكين محمود هي الرئيسة المشتركة للجنة ذوي الاحتياجات الخّاصة التّابعة لهيئة التربية إلى جانب شقيقها, وهي تعطي دروساً للتلاميذ من خلال الاعتماد على برامج الإنترنت الخاصة بالمكفوفين في الحصول على المعلومات, وهي تطمح لمواصلة استكمال تعلمها لعلم الاجتماع.

القدر جعل الأختين تعيشان نفس المعاناة ولكن إرادة الحياة أنقذت منى من اليأس فلجأت لعلم النفس

وعلى ما يبدو أن القدر لم يسحب من مزكين محمود فقط بصرها, بل إن يديه امتدتا لتطالا بصر شقيقتها منى محمود البالغة من العمر اليوم 25عاماً, والتي بدورها أوضحت لمراسلتنا أنها فقدت بصرها كلياً بعد العملية التي أجراها الطبيب لها, وقالت” كنت مصدومة جداً, وانعكس ذلك سلباً على نفسيتي, حاولت التأقلم للخروج من حالة اليأس التي ألمت بي, حتى اتخذت قراري بكل إرادة وقوة وبدأت ارتاد إحدى المنظمات الخاصة برعاية المكفوفين”.

وأصيبت منى بالعمى نتيجة ارتفاع ضغط العين جراء إصابتها بمرض الماء الأسود, عندما كان عمرها 5 أعوام, وهي كذلك بدأت الدراسة في عمر الـ9 سنوات, وأنهت المرحلة الإعدادية الثالثة, وبعد عودتها لكوباني بدأت بدراسة قسم الفلسفة باللغة الكردية في معهد الشهيدة زوزان, واستمرت بالدراسة لمدة عامين.

كما ولفتت منى محمود الانتباه إلى رغبتها العارمة بدراسة علم النفس, والتي جاءت من رغبتها في تحليل نفسية كل إنسان, وقالت” على كل إنسان يعاني أي نوع من الإعاقة أن يكون قوياً, وأن يملك الإصرار والإرادة, ليفعل دوره في المجتمع, وأنا وأختي عانينا العديد من الصعوبات, إلا أننا لم نستسلم وعشنا طوال حياتنا كأشخاص طبيعيين, ولم نضعف أو نخجل مما نحن عليه, وكان لأسرتنا دورٌ أساسي في القوة التي امتلكناها لأنها سعت لتنمية شخصيتنا ودفعتنا للانخراط في الحياة”.

وتعمل منى كعضوة طوعية في لجنة ذوي الاحتياجات الخاصة لهيئة التربية، وتمارس عملها كمعلمة في اللجنة أيضاً، وتعلمت منى محمود وأخوتها الأربعة الذين يعانون نفس الإعاقة على الكمبيوتر، ويعتمدون الكتابة على نظام الطريقة المستخدمة عالمياً من قبل المكفوفين، وتتكون من 63 رمزاً، وكل رمز من نقطة إلى ستة أقسام، وتكون الرموز منقوشة ومرتبة في خطوط على الورق، وتتم قراءتها عن طريق تمرير الأصابع برفق فوقها.

هذا ونوهت منى محمود أنها منذ نعومة أظفارها تستهويها كتابة الشعر والاستماع إليه, وفي الفترة الأخيرة قامت بتأليف أغنية خاصة بذوي الاحتياجات الخاصة لفرقة كومالا, سعت من خلالها لإيصال رسالة للمعوقين في كل أنحاء العالم, بأنهم فاعلون في المجتمع, وتم بث الأغنية في اليوم العالمي لذوي الاحتياجات الخاصة.

الأمل والقدرة على الاستمرار أمر اكتسبه منى ومزكين من أم ساهمت في نجاح 5 مكفوفين

وأنهت منى محمود حديثها بالتأكيد على أنها وأشقائها يسعون لتقديم الفائدة للمجتمع, وقالت” إننا نتعاون مع بعضنا في كل شيء نقوم به, وندعو كل شخص للخروج من حالة اليأس وممارسة دوره في الحياة وأن لا يستسلم للظروف, لأن الإرادة والأمل هما سبيلا الإنسان نحو الوصول إلى ما يطمح إليه”.

وليست مزكين ومنى هما من تناضلان فقط, فهذا الأمل الذي تمتلكانه اكتسبتاه من أم لـ5 أطفال مكفوفين, كان وضعهم خاص وتطلبوا الرعاية, وهي الأم أمينة محمود, والتي بدورها علقت على الموضوع بالقول” حملت مسؤوليتهم وحرصت على تعليمهم الاعتماد على أنفسهم, وشجعتهم ليتعلموا ولم يخيبوا أملي, إذ حصلوا على شهادات عالية, وهم يعملون الآن في مجالات مختلفة”.

وعبرت أمينة محمود في ختام حديثنا معها بوضوح عن فخرها بما ربت يداها, كون أبنائها وصلوا لمستوى عاليٍ من الثَّقافة والعلم, وتمكنوا من الحصول على مكانتهم بين الناس, وتجاوزوا جميع العثرات, فهم اليوم يدربون ويدرسون, بفضل إصرارهم على التعلم, وعملهم على تطوير أنفسهم”.

ونذكر أن عائلة الأم أمينة تتألف من 9 أبناء, 4 بنات و5 شبان, و5 من أفراد العائلة مكفوفين, يعمل الابن الأكبر فيها سليمان رئيس لجمعية ذوي الاحتياجات الخاصة للجنة التربية, وأما حيدر فقد قام بتأليف كتاب باللغة الكردية عن المفاهيم الأساسية لتعليم الكومبيوتر, وخليل هو مقدم برامج خاص بذوي الاحتياجات الخاصة في راديو صوت كوباني.