اتحاد المرأة الحرة ضمان سوريا الديمقراطية

بداية هيمنة الرجل على المرأة تنطلق من جسدها … تحكم الرجل في جسد المرأة يتعدى اللباس ليصل إلى البحث عن الجسم المثالي.

191

تحقيق: راضية القيزاني – تونس –
ظلت المجتمعات الذكورية على امتداد عقود من الزمن تختزل المرأة في جسدها حتى يمثل الرّمز والمجاز والفضاء وفق رؤى تتوق إليها، وجعلت ذاته تتسم بكل معاني الفضيلة ليكون الجسد المثالي للجماعة كلّها، حتى إذا مُسّ جسد المرأة بأذى تقوم الحروب ولا تنتهي. ومن هنا يصبح الجسد هو الفضاء الذي تتمّ فيه ومن خلاله كتابة القوانين وترك بصمات الإمضاءات والإمضاءات المضادّة بخطّ غليظ وواضح للقوى الاجتماعيّة المتصارعة، وفق ما جاء في دراسة أنثروبولوجية عن جسد المرأة ودلالاته الرمزية.
وقد كان هذا الفهم المحدود لجسد المرأة منطلقا لسيطرة الرجل عليه. فالمرأة لا يحق لها إبراز جمالها أو إبداء فتنتها إلا لزوجها حيث عليها أن تراقب خطواتها كي لا تكون طريقة مشيها مثيرة، وأن تضفي نوعا من الاحتشام على زينتها حتى لا تبدو متبرجة، وأن لا تضحك بصوتٍ عال حتى لو كانت النكتة مثيرة للضحك، وأن لا تضعَ ألوانا في شعرها حتى لو كانت مؤقتة، ما جعلها تتعرض لعملية تنميط وقولبة جسدية وذهنية ونفسية في ذات الحين. ولم يكتف الرجال بذلك بل إن بعضهم يسعون إلى تحويل زوجاتهم إلى نموذج للجمال المثالي من خلال مشرط جراح التجميل أسوة بما أ تاه ديفيد ماتلوك جراح التجميل الأميركي الذي وقع في حب مريضته فيرونيكا، فقرر أن يغيّر شكلها تماما لتصبح المرأة التي كان يحلم بها زوجة.
وتقول آية بن منصور الناشطة النسوية والباحثة التونسية في علم الاجتماع إنه في ظل الاقتصاد الرأسمالي يقع جسد المرأة تحت طائلة الوصاية، مشيرة إلى أن شبكات التواصل الاجتماعي ساهمت في التطبيع مع الجسد المثالي.
ويؤكد علماء الاجتماع أن “جسد المرأة كان يشبه إلى حدّ بعيد جسد المزارعين في المجتمعات الإقطاعية الغربيّة الذي تحدّث عنه بإطناب نوربارت إلياس، فهو يتحرّك بعفويّة ويتكلّم بعفويّة ويأكل ويشرب من دون مراقبة للنّفس ومن دون خوف من السّمنة ولا فزع من زيادة الوزن”.
سجن الشكل والجسد
ويقول علماء الاجتماع إن الرجل المتأثر بالفكر الحداثي (اللّيبراليّة الجديدة) طوّع هذا الجسد تماشيا مع رغباته، وكان لبلوغ ذلك لا بدّ من خلق آليات وتقنيات وعلوم جديدة كعلم التّغذية والحمية وصناعة الخوف من السّمنة وما يترتّب على ذلك من اكتشاف فنون رياضيّة كالجمباز أو الأيروبيك أو السّباحة وغيرها، وعلوم استيتيقيّة كالمخابر والمصحّات في الجراحة وتقويم الجسد وتجميله، وعلوم نفسيّة لترويض الجسد الوحشيّ وتحصينه وتدجينه كطبّ الأعصاب والتحليل النّفسي وعلم النفس والعلاج بالحركة والعلاج بالماء والعلاج بالفنّ والعلاج النّفسيّ إلى غير ذلك من العلوم والتّقنيات التي ابتُكرت لهذا الغرض.
واعتبر علماء الاجتماع أن هذا التغيير هو محاولة للزجّ بجسد المرأة الّذي أصبح ينظر إليه كجسد يتّصف بالتسيّب والفوضى وعدم الّلياقة في “السجن الكبير”، مثله مثل جسد المجنون والمعارض والمخالف والخارج عن القانون، على حدّ تعبير ميشال فوكو.
وقالوا إنّها أجساد يجب من منظور الحداثة أن تُرَاقَبَ لتُربّى وتصَحَّحَ وتُرَوَّضَ وتُعَادَ صياغتها من جديد حتّى تتحوّل شيئا فشيئا إلى أجساد شفّافة ومنظّمة ومنمّطة. وهو بالفعل ما يفعله رجال هدا العصر مع نسائهن .
تؤكد لطيفة مولهي موظفة بالقطاع العام أربعينية وأم لفتاتين أنه مضى على زواجها 15 سنة وبدت على جسدها علامات الترهل ما دفع بزوجها إلى إقناعها بأن تخضع إلى عملية شفط دهون لدى جراح مشهور .
وقالت لطيفة، “لدينا في تونس جراحون ماهرون وهو ما جعلني أخضع لرغبة زوجي في ذلك ولولا أن الطبيب الجراح كان صديقا للعائلة لما كنت قبلت بإجراء العملية التي تستوجب التخدير. وتشير لطيفة إلى أن كثيرا من صديقاتها خضعن أيضا لعمليات تجميل تنوّعت حسب رغباتهن بين الشفط والتنحيف وتكبير الشفاه، لكن ذلك كان بإرادتهن” .
بدورها أكدت سمية كمال أن زوجها كان دائم الإعجاب بنحافة عارضات الأزياء وجمال مقدمات النشرات الإخبارية اللواتي يظهرن على شاشات القنوات العربية، وكانت هي تلاحظ هذا الإعجاب بغيرة خصوصا وأن زوجها كان لا يخفيه ولا يتوانى في إظهاره.
وكشفت سمية أن إعجاب زوجها دفعها إلى أن تدخل في حميات قاسية حتى تفقد الكيلوغرامات الزائدة ما كاد يلحق الضرر بصحتها. ولم تخف سمية ما عانته في تلك الفترة من مصاعب نفسية وصحية جراء التجربة القاسية التي عاشتها وذلك حتى لا يفكر زوجها في إبداء إعجاب بأخرى أو يحاول خيانتها مع امرأة ممشوقة القوام.
من جهته أكد أشرف عنب، أستاذ جراحة التجميل في جامعة القاهرة أن شبح الزوجة الثانية هو الدافع الأساسي لموافقة الزوجات على الخضوع لجراحات التجميل، مؤكدا أن بعض الأزواج يهّددون زوجاتهم بالزواج من أخرى إن لم يمتثلن لرغباتهم في إجراء الجراحة التي يريدونها، مشيرا إلى أن ذلك التهديد يعتبر إجبارا معنويا للزوجات .
وقال “أزواج كثيرون يصطحبون زوجاتهم إلى عيادتي ويطلبون مني القيام بجراحات معينة، ولا أقبل بأي منها إلا إذا لمست موافقة المرأة. ودائما ما تخضع الزوجة لجلسة نفسية من أجل التأهيل للجراحة، أقنعها فيها بأنه يجب أن تكون رغبتها في الجمال نابعة من نفسها وليست إملاء من زوجها عليها”.
وأضاف أنه يجد عددا كبيرا من الزوجات مجبرات على الخضوع لرغبات أزواجهن، أو وافقن على مضض وهن لا يرين أنهن في حاجة إلى تلك الجراحة، لذا فهو يرفض مثل تلك الحالات ولا يقبل إلا بمن ترى أن رغبة زوجها تتماشى مع رغبتها في الجمال.
ويشير الدكتور أشرف عنب، إلى أن تكبير الثدي وشد البطن يأتيان في مقدمة الجراحات التي يدفع الرجال زوجاتهم إليها، ثم يأتي البوتوكس وشد الأرجل والأذرع وشفط الدهون.
ويؤكد علماء النفس أنه يمكن لجراحة التجميل أن تساعد في استقرار الحياة الزوجية ونجاحها إذا كانت الرغبة في الجمال نابعة من المرأة، أو أنها توافق بأريحية على رغبة زوجها وتتفق معه فيها.
وأشاروا إلى أن المرأة تشعر بعد إجراء الجراحة بمزيد من الجمال، ما يجعلها تكتسب المزيد من الثقة بالنفس، وبالتالي تتحسن علاقتها مع زوجها والآخرين والمجتمع المحيط بها، كما تزداد قدرتها على الإنتاج والعطاء سواء في العمل أو في المحيط العائلي.
وقال أحمد الأبيض المختص في علم النفس إن الرجل يمتلك تصورا معينا عن صورة المرأة التي ستكون شريكة حياته ويرى أن زوجته إنسان وهي معنية بالشأن العام سواء كانت ناشطة سياسية، أو صاحبة رأي، أو كاتبة، أو طالبة ويجب أن تكون حاضرة في الشأن العام بصفتها الإنسانية وليست بصفتها الأنثوية. مضيفا أن القصد من ذلك أن ينظر إلى حضور المرأة من منطلق إنساني وليس كسلعة.
وتابع “أما داخل الأسرة فهي شريكة حياة ومطالبة بإبراز أنوثتها لإشباع الرغبة الذكورية”.
وأكد الأبيض أن مجتمع الصورة يراهن على عقول الناس بأشكال مدعمة بالإخراج والترويج في مجال الاستهلاك الذي يقدم المرأة كسلعة، وإذا تمت المقارنة بين فتيات الشاشة والزوجة فلن تكون المقارنة لصالح الزوجة.
وقال الأبيض إنه “عادة ما تكون فتيات الغلاف أو فتيات الشاشة صغيرات السن في حين تكون الزوجات متقدمات في السن، مشيرا إلى أن فتيات الغلاف يقدمن عروضا يشارك في إعدادها أكثر من طرف، لذلك لا يجب مقارنة الزوجات بفتيات الإعلانات وإلا ظل الرجال رهائن لسجن الشكل والجسد”.
وأشارت أصوات كثيرة إلى “سجن الشكل والجسد” الذي تشكّل عبر تاريخ طويل من التسلط والهيمنة والتحكم في المرأة، وأشار علماء الاجتماع إلى أن هذا التحكم يتعدى مسألة اللباس منذ زمن، ليتدخل أيضا في الجسد من خلال عمليات تجميل متنوعة، تجبَر النساء على خوضها في محاولة لضمان حياتهن العائلية أو الجنسية.
وتؤكد ناشطات نسوية على تطرف الهيمنة الذكورية إلى أقصى حالاتها المرضية في فرض نوع معين من اللباس على المرأة، وهي هيمنة تصل إلى حدّ قناعة المرأة بأن كامل جسدها عورة يجب أن تغطيه بالكامل.
وقد عبرت الكاتبة المصرية نوال السعداوي عن ثنائية التغطي والتعري وسجن المرأة داخل مفهوم الجنس والجسد بقولها “تعيش المرأة التناقض الاجتماعي بحدة، فيجب أن تكون باردة عفيفة طاهرة لا إحساس لها نحو الجنس، كما يجب أن تكون أداة متعة وقادرة على أن تشبع رغبات زوجها الجنسية حتى الثمالة، وجسدها عورة يجب إخفاؤه بمقاييس الأخلاق، وكذلك جسدها مباح يجب تعريته بمقاييس الرواج التجاري والإعلانات عن البضائع.
مضيفة أنها لا تظن أن هناك استغلالا أشد من هذا الاستغلال، ولا امتهانا أشد من هذا الامتهان، واللذين تعيشهما المرأة، فهي تصبح فريسة بين قوتين متنازعتين متضاربتين كقطعة لحم بين فكين مطبقتين. وكل هذا طبيعي في مجتمع فقدت فيه المرأة مكونات شخصيتها وأُفرغت من إنسانيتها فتحولت إلى شيء أو أداة. فهي تارة أداة للإعلان وهي تارة أداة للشراء والاستهلاك، وهي تارة أداة للإمتاع وتلبية الشهوات، وهي تارة وعاء للأطفال، وهي تارة سلعة تباع وتشترى في سوق الزواج.”
سلطة الصورة
وأكد علماء الاجتماع أن الثقافة الشعبية ساهمت بدورها في قهر الجسد الأنثوي وساهمت في تعميق فكرة المرأة اللعوب والشهوانية، التي يجب أن تخضع للهيمنة الذكورية حفاظا على الشرف. وهي ثقافة شعبية غذتها مقاييس اجتماعية، لا تقبل التحريف وعززت سلطة الأهل على جسد المرأة.
وقال علماء الاجتماع إن سلطة الأهل الراضخة لسلطة المجتمع الذكوري الراضخ بدوره لسلطة الدين أنشأت جسدا راضخا لجميع هذه السلطات، وخاصة الجسد الأنثوي.
مشيرين إلى أن السوق الاستهلاكية الحداثية مستعينة بالإعلام والتكنولوجيا تريد مواطنا ما بعد حداثي مستسلم لما تريده القوى الرأسمالية أن يستهلك وأن يعرف، فخلقت المرأة التي تعرض جسدها كسلعة.
ويرى علماء النفس أن المرأة التي تتعرى تعتقد أنها تحررت من سيطرة الرجل على جسدها لكن غاب عنها أنها أصبحت أمة مستعبدة لسلطة الصورة وأنها لم تفلت من سجن التاريخ لها في مفهوم الجسد والشكل.
ويعتبر الخبراء أن تسليع المرأة هو رؤية ومعاملة النساء كسلعة عبر استخدام جسد المرأة في الترويج والتسويق للمنتجات وزيادة الأرباح، واستخدام المرأة كأداة عرض جنسية في الإعلانات التي تسعى إلى تكوينِ صورةٍ ذهنيةٍ للمنتجِ ملتصقة بصورِ الإغراء، وتقييم المرأة في الأحداث العامة بناء على المظهر الجسدي والجاذبية الجنسية كما يحدث في مسابقات ملكات الجمال.
ويرى علماء التاريخ أن الرجل لم ير في المرأة سوى جسد يشبع رغباته على مرّ العصور متناسيا حقيقة أنها إنسان. مشيرين إلى أن الرجل لم يتعامل مع المرأة إلا من منطلق ذكوري ظالم، حصرها في وعاء لفض جماح شهواته دون أدنى اعتبار لكيانها أو لمشاعرها أو رغباتها ولم يظهر أي احترام للدور الرئيسي للمرأة في لعبة الحياة.
وكانت نظرة الرجل إلى المرأة على مرّ العصور نظرة دونية، فتارة يعاملها ككائن منحط ومرة كشخص ناقص. فظلت المرأة تئن في صمت، ويمنع عنها البوح بمشاعرها أو الشكوى من فرط الظلم الواقع عليها.
ولا يرى الرجل العربي في المرأة إلا الجسد فقط، ولا يقبل منها أيّ تمرد على هذا الدور، ولا يرضى بأن تشاركه التفكير والتدبير والنقاش وإبداء الرأي، خصوصا أمام أقاربه ومعارفه، وحتى إن تمرد الرجل على هذه الأعراف يوما ومنح المرأة القيمة التي تستحقها، وكان لكلماتها تأثير عليه، يجد نفسه يحاسَب من قبل جماعة الذكوريين وينعت بأسوأ النعوت .